بقلم المستشار الدكتور صلاح الديب
رئيس مجلس إدارة وكالة إنقاذ
هذه ليست مجرد عبارة ساخرة نتداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، وليست مزحة عابرة من وحي الضغط النفسي. إنها التشخيص الأدق لمرض العصر النفسي والاجتماعي، ووصفة العلاج الأكثر صدقاً التي توصل إليها جيل كامل بعد سنوات من الاستنزاف.
لقد عشنا طويلاً مصابين بمرض اسمه “أخاف أن يزعلوا”. مرض صامت، لا يظهر في تحاليل الدم، ولا تكشفه الأشعة، لكنه ينهش الروح كل يوم.
أولاً: تشريح المرض – لماذا كنا نخاف؟
تربينا في مجتمع يقدس فكرة “إرضاء الجميع”. قيل لنا: خليك طيب، خليك جدع، ما تزعلش حد، الكلمة الحلوة صدقة، عديها. ففهمنا الطيبة بشكل خاطئ. فهمنا أن الطيبة تعني أن نقول “نعم” ونحن نريد أن نقول “لا” بأعلى صوت.
مرض “بخاف يزعلوا” له أعراض واضحة:
تعتذر وأنت صاحب الحق. تسكت عن الإهانة كي لا تحرج من أهانك. تتحمل ضغط العمل عن زميلك كي لا يقال عنك أنك لا تتعاون. تقرض مالك وأنت في أمس الحاجة إليه. تبتسم في وجه من يغتابك. وتنام في نهاية اليوم وأنت ممتلئ بالغضب المكبوت، بالكلمات التي لم تقلها، بالحقوق التي لم تطالب بها.
وهنا تكمن المفارقة المريرة التي أصبحت هي حالنا الآن. في زمن السوشيال ميديا والعلاقات السريعة والمصالح المتبادلة، لم يعد الناس يقدرون تضحيتك. بل أصبحوا يعتبرونها حقاً مكتسباً. كلما كنت أكثر تسامحاً، كلما استباحوا حدودك أكثر. كلما كنت أكثر صمتاً، كلما رفعوا صوتهم أكثر.
يقول علم النفس الحديث إن هذا السلوك يسمى “متلازمة إرضاء الناس People Pleaser” وهو اضطراب سلوكي ناتج عن الخوف من الرفض والرغبة المرضية في الحصول على القبول. وعلاجه ليس سهلاً، لأنه متجذر في تربيتنا وقيمنا المشوهة عن التقدير.
ثانياً: الواقع المرير.. لماذا انفجرنا؟
وصلنا إلى نقطة الانفجار لأن المعادلة أصبحت مستحيلة. نحن نعطي 100% ونأخذ 10%. نحن نحفظ الود، وهم ينسون. نحن نراعي الظروف، وهم لا يراعون حتى وجودنا.
أصبحنا نعيش في زمن أصبح فيه الوضوح وقاحة، والحدود أنانية، والمطالبة بالحق قلة أصل. أصبح الطيب في هذا الزمن هو الضحية المثالية لكل مستغل، وكل نرجسي، وكل من لا يعرف معنى العطاء إلا من طرف واحد.
كم من علاقات استمرت فقط لأن طرفاً واحداً كان يخاف أن يزعل الطرف الآخر؟ كم من زيجات فشلت لأنها بنيت على التحمل وليس التفاهم؟ كم من صداقات ماتت لأنها كانت تحتاج إلى إنعاش من طرف واحد فقط؟
هذا هو الواقع المرير الذي نتحدث عنه. واقع استهلكنا فيه أنفسنا لإضاءة حياة آخرين لم يكلفوا أنفسهم حتى النظر إلى نورنا.
حكمة قديمة تلخص المشهد: قال الإمام الشافعي “رضا الناس غاية لا تدرك، ورضا الله غاية لا تترك، فاترك ما لا يدرك، وأدرك ما لا يترك”.
ثالثاً: لحظة شراء الدواء – قرار “في ستين داهية”
يأتي يوم تستيقظ فيه وتكتشف أنك لم تعد تعرف نفسك في المرآة. وجه متعب، قلب مثقل، وروح منهكة. في هذه اللحظة فقط، تقرر أن تذهب إلى صيدلية الكرامة وتشتري ذلك الدواء السحري.
دواء اسمه “في ستين داهية” ليس دعوة للوقاحة أو قلة الأدب، كما يظن البعض. بل هو أعلى مراحل النضج النفسي. هو أن تضع نفسك على قائمة أولوياتك بعد أن كنت دائماً في آخر القائمة.
“في ستين داهية” تعني:
في ستين داهية أي شخص يستنزف طاقتك.
في ستين داهية أي علاقة تشعرك أنك قليل.
في ستين داهية أي مجاملة تأتي على حساب صحتك النفسية.
في ستين داهية رأي الناس فيك إذا كان سيمنعك من أن تكون نفسك.
إنها ليست أنانية، إنها نجاة. ليست قسوة، إنها حدود. وكما قالوا: من لم يضع حدوداً لنفسه، وضعها الناس له بالطريقة التي تؤلمه.
خواطر من قلب التجربة
كنتُ أخيط جراحهم بخيط من روحي، حتى انتهى الخيط وبقيت جراحي مفتوحة تنزف. اليوم تعلمت أن أخيط جرحي أولاً.
اكتشفت أنني عندما كنت أقول “ما يهمش” كان يهمني جداً، وعندما كنت أقول “عادي” لم يكن عادياً أبداً. كنت أكذب على نفسي كي أصدقني الآخرون.
أجمل ما في دواء “في ستين داهية” أنه لا يغير قلبك الطيب، بل يحميه. تظل طيباً، لكنك لم تعد ساذجاً.
شعر النهاية
قالوا سكتَّ فقلتُ إن سكوتي
حلمٌ يضيقُ بهِ فؤادي المؤلمُ
سكتُّ حتى ظنّ كلّ مُعاتبٍ
أني رضيتُ وأنني أتوهّمُ
واليوم أُعلنها بقلبٍ جريءٍ
نفسي عزيزةُ والكرامةُ تُكرمُ
من باعني بعتُه ولو كان غالياً
ومن اشتراني فإنني أتفضّلُ
فليذهبوا.. في ستين داهيةٍ
فالقلبُ يصفو حينما نتأقلمُ
الخلاصة: رسالة لكل من لا يزال مريضاً
إذا كنت لا تزال تعاني من مرض “بخاف يزعلوا” فاعلم أن الشفاء يبدأ بقرار. قرار أن تقول لا بدون أن تشعر بالذنب. أن تغلق هاتفك بدون أن تبرر. أن تختار راحتك بدون أن تشرح.
تذكر جيداً: من يحبك حقاً لن يضعك أبداً في موقف تحتاج فيه أن تختار بينه وبين نفسك. ومن يزعل لأنك وضعت حدوداً لكرامتك، كان ينتفع من عدم وجود هذه الحدود.
نحن لا ندعو للقطيعة، بل ندعو للتوازن. لا ندعو للجفاء، بل ندعو للعدل مع النفس قبل العدل مع الغير.
لقد كان ثمن الدواء غالياً.. دفعناه من أعمارنا وصحتنا وأعصابنا. لكن مفعوله يستحق. نوم هادئ، وبال مرتاح، وعلاقات أقل عدداً وأكثر صدقاً.
فطب نفساً.. واشترِ الدواء.
—
انتظرونا فى العدد القادم.
المستشار الدكتور صلاح الديب
رئيس مجلس إدارة وكالة إنقاذ
الايميل


