(
صعدتُ الدرجات الخشبية المؤدية إلى العليّة بخطوات تتأرجح بين الرهبة والإجلال، كانت كل درجة تحت قدمي تُصدر صريراً أشبه بأنين الهياكل العتيقة وهي تساق قسراً إلى اليقظة. كانت رائحة السنين المتراكمة تصدم وجهي مع كل خطوة، عبق نفاذ، مزيج من الخشب المتآكل، ورطوبة الجدران المهجورة، وغبار الأوراق المصفرة التي شربت من جفاف الزمن. كانت رائحة غربة طويلة تجمدت في زوايا هذا البيت الذي أغلقت أبوابه قبل عقود، وتركته يعتاد على الصمت.
عدتُ اليوم وحدي… اسمي “غريب”، اسمٌ احتملتُ ثقله لثلاثين عاماً في صقيع “كندا”، هناك حيث انقضى العمر في ركض لا ينتهي. هناك دفنتُ “إليان”، زوجتي الكندية التي رحلت وتركت في قلبي صمتاً يشبه برودة الموت، وهناك ودّعتُ ابني الوحيد “آدم” الذي غرق في صخب حياته الخاصة على أطراف البلاد، حتى غدت صلاتنا مجرد رنين هاتف باهت يأتي في المناسبات ليؤكد لي أنني أصبحتُ غريباً حقاً.
عدتُ من منفاي البارد وراء البحار لسبب واضح المعالم، بليد المقصد، أن أطوي هذه الصفحة نهائياً، أن أفرز الركام، وأبيع هذا الهيكل لأحسم قطيعتي مع الماضي، وأعود من حيث جئت.
توقفتُ في منتصف المخزن العتيق. كان الظلام الحبيس يلف الأركان بثقله، باستثناء سهم ضوء واحد مرّ بكسل وثبات عبر نافذة دائرية صغيرة، ليشق عتمة المكان بأسلوب مسرحي ساحر تتراقص فيه ذرات الغبار كدرويش في حلقة ذكر أزلية. وفي نهاية ذلك السهم الضوئي، كان يرقص الصندوق الخشبي الضخم، جاثماً في هيبته وعزلته، كأنه ضريح محكم الإغلاق كُتب عليه أن يحفظ سر أمة من الذكريات.
جلست على ركبتي أمامه، فشعرتُ بقسوة الأرض الخشبية تنغرس في عظامي. مددتُ يدي المرتجفة نحو قفله العتيق، وفي صدري حوار خافت يتردد كصديق يهمس في عاصفة:
“لما هذا الفرار المتصل؟ أجمعت شتاتك لتبيع جدراناً شهدت ميلادك، أم أنك هربت من زحام أيامك المفرغة لتستجدي من هذا الغبار برهاناً على أنك كنت حياً في يوم من الأيام؟”
رفعتُ الغطاء الخشبي الثقيل، وانبعث من القاع صفير هواء دافئ، وكأن الصندوق لم يكن يحوي جماداً منسياً، بل أنفاساً كتمها الزمان دهراً، فانطلقت تتنسم الحرية.
وفجأة… لم تعد العليّة عليّة!
تراجعتُ إلى الخلف بذهول شلت أطرافي، وأنا أضغط بكفي على رأسي كي لا يطير عقلي. لم تكن المقتنيات داخل الصندوق مجرد أمتعة، بل كانت تنبثق منه كائنات ضوئية حية! أطياف وأجساد أثيرية شديدة المرونة تتسلل عبر سهم الضوء، ترتدي أزياء باهتة بألوان التراب والرماد، وتتحرك بلغة الجسد الاستعراضية لتعيد تمثيل فصول العمر مسرحياً:
خرجت أولاً لعبة عصفور خشبي مكسور وسيارة معدنية يكسوها بعض الصدي. رافق خروجها طيف حركي خفيف كالنسيم، يقفز في الفراغ ويدور بحركات أكروباتية لولبية طائرة، يعلو ويهبط بلا أدنى جهد، كأن الجاذبية الأرضية قانون لم يُشرع بعد لمثله، مُجسداً خفة السنوات الأولى التي لا تعرف للخوف ولا لوزن الأشياء معنى.
ثم طفت من القاع دفاتر مدرسية تكسوها رسومات عشوائية وكرة قدم جلدية متآكلة. خرج معها طيفان يندفعان بحركات قوية، متمردة، ومشحونة بالتوتر، يتشابكان في الهواء بحركات توازن معقدة، يعكسان طاقة الشباب الجارفة، والتخبط الفاتن بين إثبات الذات والتوجس من المستقبل.
وأخيراً، طفت كتب الفلسفة والأدب الثقيلة وشهادة التخرج المقيدة داخل إطار خشبي لا معني له. خرج طيف يرتدي وقاراً حزيناً، يمشى بخطوات حذرة وساكنة على حافة وهمية مشدودة في الفراغ، تماماً كلاعبي الحبل المشدود فوق الهواء، مُجسداً مرارة الخوف، والقلق من غد مجهول، وتأرجح الخطوة الأولى نحو السفر.
شاهدتُ شريط العمر يتجسد أمامي في لوحات حركية مبهرة، فشعرتُ بقلبي يعتصر بين أضلعي. صرختُ في سري وأنا أراقب تحليق هذه الأطياف وهبوطها الانسيابي:
“لماذا تيقظون الجراح الآن؟ أمضيتُ زهرة شبابي في الغربة أرمم نفسي، وأحاول ألا أتذكر كيف كنتُ خفيفاً، كيف هانت علي روحي فتركتها هنا تتجمد في العتمة؟! ذكرياتكم أثقال تتجاوز قدرة ركبتي المجهدتين على الحمل!”
توقفت الاستعراضات الحركية فجأة، وعم سكون شفيف. اقترب طيف مرحلة الجامعة بخطوات متزنة على أرضية المخزن الخشبية، وهبط عند قدمي ببطء درامي شديد، ثم مد يده نحوي ووضع في كفي مفتاح البيت القديم.
تأملتُ المفتاح في كفي، كان بارداً في البداية، لكن حرارة جسدي سرعان ما تسربت اليه. وتهاوت في تلك اللحظة آخر سدود دفاعاتي الهشة، وتطلع قلبي بيقين ناصع، وهمستُ لنفسي بنبرة متصالحة لأول مرة منذ سنوات طوال:
“بيع هذا البيت ليس مجرد صفقة تجارية يُقبض ثمنها… بيع هذا المكان يعني بيع هذه السنوات، يعني مسح هذه الأطياف من الوجود، يعني موتي الحقيقي وأنا أسعى على قدمي. كيف أبيع السقف الذي حرس أحلامي الصغيرة، والجدران التي انطبعت عليها أنفاسي وصراعي؟”
وقفتُ شامخاً، ونظرتُ حول الأركان التي بدأت تهدأ وتستقر فيها الأطياف، وكأنها عادت لترتاح على صدري بدلاً من الصندوق. أغلقتُ غطاء الصندوق الخشبي برفق وحنان، لكني لم أغلق قفله. أعدتُ المفتاح إلى جيبي، وأمسكتُ بحقيبة سفري الصغيرة، ثُم أفرغتُ كل ما فيها على الطاولة.
ابتسمتُ، ونظرتُ عبر النافذة الدائرية إلى أفق الشارع الممتد، وأنا أهمس بحديث النفس الأخير:
“لا بيع للمنزل… ولا عودة للغربة. فلن أبيع عمري، ولن أهرب من ذاتي مجدداً… فما الحياة في جوهرها… إلا هذه الذكريات.”
ولكن، لكي أستعيد ذاتي حقاً، لم يكن يكفيني البقاء داخل الجدران، بل كان لزاماً علي أن أنزل إلى الشوارع القديمة لأبحث عن أثر الخبز والملح، وعن رفاق الشباب الذين تقاسمت معهم الضحكات والأحلام.
في طريقي بين الأحياء القديمة، وأنا أتأمل كيف تغيرت الشوارع وتبدلت العناوين بعد ثلاثة عقود من الانقطاع، استوقفتني عربة خشبية ذات عجلتين كبيرتين يجرها رجل مسن بخطوات ثقيلة وموزونة، تصدر صريراً رتيباً يشبه نغمة تدعو للتأمل. كان هو “العم أمين”، بائع الحنين، وحارس الذكريات المهجورة الذي يجمع أرواح الأشياء التي أهملها أصحابها.
جلستُ إلى جواره على عتبة دكان قديم مغلق، وراحت عيناي تقلبان ما على العربة من مقتنيات: راديو خشبي قديم، ساعة بندولية متوقفة، مصباح نحاسي، وعود بلا أوتار. قلت له بصوت غارق في الشجن:
“يا عم أمين… الدنيا برة بقت غريبة أوي. الناس بقت تبيع بعضها بأرخص الأثمان، وكل واحد شايل وش غير وشه. أحياناً بحس إن الكراكيب اللي على عربيتك دي فيها روح وصدق أكتر من نص البني آدمين اللي بنقابلهم كل يوم!”
ابتسم العم أمين ابتسامة هادئة، وأخذ يحدثني عن أسرار تلك القطع، عن الخياط الذي اضطر لبيع راديو زوجته الراحلة ليداوي ابنه، وعن الحجة سعاد التي باع أولادها ساعة بيتها ليخلصوا من ذكريات الماضي، وعن المعلم الأستاذ مصطفى والمصباح، وعن الصندوق المليء برسائل الحب والوفاء التي مزقها الفراق. أدركت من حكمة العم أمين أن الناس لم تنقرض، وأن “الأصل” والقلوب الرحيمة لا تزال حية فيمن يرفضون الخيانة والمصلحة الزائفة.
أعطاني العم أمين مصباحاً نحاسياً صغيراً بعد أن أشعل فتيلته وقال لي بحنو صادق:
“الناس الجديدة مش كلها شر يا أستاذ، بس أغلبهم خايفين… خايفين ينخدعوا فبيلبسوا الأقنعة. لما تظهر أنت بقلبك السليم ونورك الصادق، هتخليهم يفتكروا أصلهم الطيب. خذ المصباح ده معاك… كمل بيه طريقك، وكون أنت الضوء اللي بيدور عليه غيرك”.
حملت المصباح بقلب متجدد، وتابعت مسيرتي لأجد رفاق الدرب:
قادتني الآثار أولاً إلى منزل صديقي القديم “يوسف”. عندما فتح الباب، وقف يحمل شيب السنين على رأسه، وتطلع في وجهي لثواني بذهول قبل أن تتسع حدقتاه وتخونه دموعه:
“غريب؟! معقول… أهذا أنت يا رجل أم طيفٌ من الماضي؟”
احتضنته، وشعرتُ بأن سنوات الغربة الباردة تذوب في تلك اللحظة. جلسنا نسترجع شريط الذكريات، حتى سألته بنبرة خافتة:
“وماذا عن جمال؟ هل ما زال يقطن في حيه القديم؟”
ساد الصمت، وتغيرت ملامح يوسف وهو ينكس رأسه:
“رحل جمال يا غريب… رحل في حادث سير أليم منذ عامين، وترك خلفه زوجة صابرة وابنة كالقمر اسمها مريم، وشاباً يصارع الحياة اسمه يحيى.”
أحسستُ بغصة في حلقي، وقررنا في التو واللحظة ألا نترك أهله. توجهنا إلى بيت جمال المكسور بغيابه، واستقبلتنا زوجته أم مريم بترحاب مشوب بالأسى. قال يوسف بدافئ الكلمات: “يا أم مريم، جمال لم يكن مجرد صديق، كان أخاً. وغريب عاد اليوم ليكون سنداً لنا جميعاً.”
لم تتوقف رحلتنا؛ بل قادتنا التحريات بعد ذلك إلى منزل “رأفت”. دخلنا بيته فنزل علينا الوجوم؛ وجدنا رأفت جالساً على كرسي متحرك، هائماً بنظره نحو الفراغ بعد أن أصيب بجلطة إثر خسارته ثروته في البورصة. اقتربتُ منه وجلستُ على ركبتي:
“رأفت… أتعرفني؟ أنا غريب… عدتُ يا صديقي.”
أجهش بالبكاء وقال: “ضاع كل شيء يا غريب… أصبحتُ عبئاً.”
أمسك يوسف بيده بقوة وقال: “لن ندعك لهذه العزلة يا رأفت!” وأصررنا على إخراجه معنا.
وبينما نحن نجوب شوارع القاهرة ندفع كرسي رأفت بضحكاتنا ودموعنا، أرشدنا المعارف إلى مطعم أسماك صغير على كورنيش النيل يمتلكه صديقنا الأخير “عبد العزيز” (عبده). حين وقعت عيناه علينا وهو خلف المنضدة، سقط هاتفه من يده بذهول:
“يا الله! أيعقل هذا؟ الحبايب كلها هنا؟!”
احتضننا وسط دهشة الزبائن، وأعد لنا مائدة عامرة. عادت الروح إلى رأفت، وارتسمت البسمة على وجهه، واسترجعنا هيبة الشباب.
تحولت عودتنا إلى إعادة ترميم لحياة الجميع. وفي مطعم عبد العزيز، التقى ابنه الطموح “أحمد” بـ “مريم” ابنة الراحل جمال أثناء التجمعات العائلية، وتوقفت القلوب على تفاهم وود عميق. وتوجت هذه المشاعر حين اجتمع الأصدقاء الأربعة ليتقدم أحمد لطلب يد مريم رسمياً.
وفي ليلة دافئة أضاءت بالبهجة، أقيم زفاف “مريم” على “أحمد”. على منصة الرقص دار العروسان بخطوات انسيابية، وفي الركن المطل على النيل، جلس الأصدقاء الأربعة حول طاولة تزينها الشموع. رفع عبد العزيز كأساً من العصير وتلمع في عينيه دموع الفرح، وقال يوسف: “جمال معانا… عايش في ضحكة مريم وفينا أحنا الأربعة.” ونطق رأفت بيقين: “الصحبة الصالحة هي الثروة الحقيقية.”
أما أنا، فأخرجتُ من جيبي مفتاح البيت القديم، وضعته على الطاولة بين الكؤوس، ونظرتُ عبر الزجاج إلى أنوار المدينة. لم أعد ذلك الرجل المغترب المحطم؛ لقد وجدتُ عائلتي الحقيقية ومصباح روحي.
اقترب العروسان منا، فوضعتُ يدي على رأس مريم وهنأتها بسلام داخلي عميق. واجتمعنا لالتقاط صورة عائلية كبرى، ونظرتُ للكاميرا في اللحظة الأخيرة، وأنا أههمس لنفسي بحديث النفس الأخير:
“لا بيع للمنزل… ولا عودة للغربة. فلن أبيع عمري، ولن أهرب من ذاتي مجدداً… فما الحياة في جوهرها… إلا هذه الذكريات.”
عودة غريب) بقلم / الدكتور سامح صابر


