الرئيسيةإبداعلقاء بين السطور
إبداع

لقاء بين السطور

بقلم :نهلة. علي

هناك لقاءات لا تُدرج في المواعيد، ولا تُسجَّل في تقاويم الأيام، ولا تنتظر إذنًا لتحدث، لكنها ببساطة تولد في لحظة صادقة… بين السطور.
قد تُقال كلمة تبدو عابرة في ظاهرها، لكنها تحمل في باطنها إحساسًا عميقًا يتسلل إلى القلب دون استئذان، وكأنها تعرف الطريق جيدًا. وقد تمر نظرة غير مكتملة، لا تُرى بالعين بقدر ما تُحَس، لكنها تختصر حكايات كاملة لم تُروَ، وتقول كل ما عجزت الكلمات عن قوله.
اللقاء الحقيقي ليس دائمًا حضورًا جسديًا يمكن قياسه أو توثيقه، بل أحيانًا يكون حضور روح، خفيفًا وعميقًا في آنٍ واحد، يلامس القلب دون أن يقترب خطوة واحدة. نحن كثيرًا ما نقابل أشخاصًا في إطار الكلام، نتبادل معهم العبارات والحوارات، لكننا لا نلتقيهم في المعنى. وعلى النقيض، نصادف آخرين بين السطور… دون تخطيط، دون مقدمات، فيتركون أثرًا لا يُمحى، ويظلون فينا حتى وإن غابوا.
في عالم “بين السطور”، لا يوجد ضجيج يربك الإحساس، ولا تبريرات تُثقل المعنى، ولا كلمات زائدة تُفقد اللحظة نقاءها. هناك فقط إحساس صادق، بسيط، يصل كما هو، بلا أقنعة ولا تصنّع. إحساس يعبر المسافات، ويتجاوز الحواجز، ويستقر في القلب دون أن يطرق الباب.
ليست كل اللقاءات تُرى بالعين، فبعضها يُفهم بالبصيرة، ويُحَس بعمق التجربة. هناك لقاءات لا تحتاج إلى مكان يجمعها، ولا زمن يحددها، لأنها ببساطة تحدث في المساحة الأصدق داخلنا. وهناك قلوب، رغم تباعدها، تلتقي فعلًا بين السطور، وكأنها تعرف بعضها منذ زمن بعيد.
الكلام في كثير من الأحيان مجرد حروف مصطفّة، لكن حين يخرج من قلب صادق، يتحول إلى شيء آخر… إلى طاقة تصل، وإلى إحساس يُعاش. يصل حتى لو فرّقت بينه المسافات، ويخلق نوعًا مختلفًا من اللقاء؛ لقاء لا يُرى بالعين المجردة، لكنه يُحَس بكل تفاصيله، وكأنه واقع ملموس.
لقد التقيتك قبل أن أراك، في طريقة حديثك التي تشبهني، في إحساسك الذي يلامس شيئًا عميقًا بداخلي، في سطورك التي بدت وكأنها كُتبت بلساني. ربما لم نرَ ملامح بعضنا، ولم نستمع إلى نبرة الصوت، ولم تجمعنا لحظة تقليدية كما يحدث في اللقاءات المعتادة، لكن رغم ذلك، حدث شيء حقيقي… شيء نقي، خالٍ من الشروط والتوقعات.
هو لقاء لا يحمل بداية واضحة يمكن تحديدها، ولا نهاية يمكن التنبؤ بها، لكنه صادق في كل ما فيه. لقاء لا يعتمد على الحضور المادي، بل على حضور أعمق وأبقى. لأنه ببساطة حدث في أنقى مكان يمكن أن يلتقي فيه اثنان… بين السطور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *