بقلم الدكتور احمد. صفوت السنباطي
دور المعارضة البرلمانية في تفعيل الرقابة على دستورية مشروعات القوانين قبل إقرارها ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو جوهر الديمقراطية التشاركية وآلية حيوية لتحقيق ما يمكن تسميته “نموذج الإنذار المبكر الدستوري”، ففي النظم البرلمانية التقليدية، كانت الرقابة على دستورية القوانين تتم بعد إقرارها، أي بعد أن يصبح المشروع قانوناً نافذاً وتبدأ آثاره في التطبيق، وهنا يكمن الخطر، لأن القانون غير الدستوري قد يظل معمولاً به لسنوات قبل أن يُطعن فيه ويُلغى، تاركاً وراءه انتهاكات للحقوق وإرباكاً للمراكز القانونية، لكن ماذا لو كان بإمكاننا اكتشاف العيوب الدستورية قبل فوات الأوان؟ هذا هو بالضبط ما يمكن لدور المعارضة البرلمانية أن يقدمه، فالمعارضة ليست خصماً عقيمًا للحكومة كما قد يظن البعض، بل هي عين اليقظة التي ترصد كل حرف في مشروعات القوانين قبل أن تتحول إلى تشريعات ملزمة، وهي تملك من الوقت والخبراء والإرادة ما يمكنها من أن تكون أول من يقرع جرس الإنذار حين يلمح تهديداً لمبدأ من مبادئ الدستور، ولنتأمل آلية الاقتراح حين تقدم الحكومة بمشروع قانون إلى البرلمان، تمرر المعارضة نصوصه على فريقها القانوني لمراجعتها دستورياً، ثم تثير المناقشات في اللجان النوعية والجلسات العامة، وهنا تبدأ مرحلة الإنذار المبكر، فإذا رأت المعارضة أن مادة معينة تنتهك مثلاً الحق في المساواة أمام القانون أو تمس استقلال القضاء أو تحد من حرية التعبير بما لا يبرره نص دستوري، فإنها تطلب من رئيس المجلس إحالة الأمر إلى المحكمة الدستورية العليا لتبدي رأيها في دستورية هذه المواد قبل التصويت عليها، وهذه الدعوة هي جوهر نموذج الإنذار المبكر، فبدلاً من انتظار تطبيق القانون ثم الطعن عليه بعد أن يسبب ضرراً، تُختصر المسافة بين الشك واليقين الدستوري لكن لماذا المعارضة تحديداً؟ لأن الأغلبية الحاكمة، بحكم تحالفها مع الحكومة، قد تكون أقل حماسة للكشف عن عيوب دستورية في مشروعات أقرتها السلطة التنفيذية، وقد ترى في المبادرة الدستورية تهديداً لبرنامجها السياسي، أما المعارضة فليس لديها ما تخسره بقدر ما لديها ما تكسبه من إظهار يقظتها وحماية الحقوق، فهي تمثل بطبيعتها قوة مراجعة طبيعية، وإن كانت الأغلبية هي التي تملك الأصوات، فإن المعارضة تملك الحجة الدستورية، ولتعزيز هذا الدور، تحتاج النظم البرلمانية إلى أدوات إجرائية محددة، مثل النص على أنه يحق لعدد معين من أعضاء المعارضة طلب إحالة مشروع القانون إلى المحكمة الدستورية قبل التصويت عليه، وإنشاء مكتب للبحوث الدستورية تابع للمعارضة داخل المجلس، وتخصيص جلسات استماع دستورية لمناقشة الشكوك حول المشروعات، وهذه الآليات ليست خيالاً، فهي موجودة في دساتير عديدة مثل التجربة الألمانية التي تسمح لثلث أعضاء البرلمان بطلب الفحص الدستوري الاستباقي، وفي مصر حيث نصت المادة 190 من الدستور على اختصاص المحكمة الدستورية العليا بمراجعة مشروعات القوانين قبل إصدارها بناء على طلب رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس النواب، ويمكن تطوير هذا النص ليشمل طلباً مماثلاً من رؤساء اللجان النوعية أو زعماء المعارضة، ومع ذلك تواجه المعارضة تحديات حقيقية في تفعيل هذا الدور، أهمها ضيق الوقت المتاح لمناقشة المشروعات في بعض المجالس، وغياب الخبراء الدستوريين ضمن فرق المعارضة، والخوف من اتهامها بـ”العرقلة” أو “التأخير”، لكن الحقيقة أن الإنذار المبكر لا يعطل التشريع، بل يصحح مساره، فالقانون الجيد هو الذي يولد دستورياً، ولا ينتظر حكم إلغاء بعد سنوات من المعاناة، ولعل الاقتراح العملي هنا هو إنشاء “وحدة استشارية دستورية” مشتركة بين المعارضة والأغلبية تعمل قبل وصول المشروع إلى الجلسة العامة، بحيث يتم تسوية الإشكاليات الدستورية في مرحلة الإعداد، وهذا هو النموذج الأمثل للإنذار المبكر الذي يجعل المعارضة شريكاً في حماية الدستور وليس مجرد متفرج على انتهاكاته، فالغاية واحدة لدى الكل ألا يخرج قانون يتعارض مع الوثيقة الأعلى، والمعارضة البرلمانية هي الأقدر على أن تكون حارس البوابة في هذه العملية.


