السياق القصصي مشبع بالإسقاطات والدلالات النفسية التي تعبِّر عنها الكاتبة في إطار واقعي عبر القصة التخيلية.
الثلاثاء 2026/03/10
سرديات متعددة
تضم مجموعة “الوجه الثاني” للكاتبة المصرية منال الأخرس، تسع عشرة قصة قصيرة، أطوَلُها القصة التي تحمل عنوان المجموعة، وترسم الكاتبة ملامح “الوجه الثاني” ابتداء من القصة الأولى التي تحمل عنوان “الراقي”، فتسرد براهين القوة والصلابة التي تلازم الوجه الثاني، بعد أن “جرَّعوه كل السموم، لكنه لم يمت؛ بل ترعرع، نما واشتد وأصبح ماردًا… أضحى أذكى من أي وقت مضى، أنضج من أي وقت مضى، بل هو كذلك في كل ما مضى، لكنه كان صابرًا”.
وتحرص الكاتبة على رفع الظلم عن بطل هذه القصة، لذلك وصفته بالراقي وجعلت هذه الصفة عنوانًا للقصة، ثم أكدتها في سياق حديثها عنه فقالت “الآن لم يَعُد ذلك الراقي صابرًا، ولن يظل وديعًا”، فهي تشير إلى تغيُّر جذري في أخلاقه، لأسبابٍ اضطر إليها اضطرارًا بسبب سوء معاملة الآخرين، الذين جعلوه يترك وجهه المسالم وينتقل إلى “الوجه الثاني”.
وتسرد الكاتبة بعض تفاصيل ذلك التَّحوُّل الطارئ؛ فبعد أن كان طلبُ “الراقي” الوحيد تغيير ملابسه البالية؛ أصبح كما تقول الكاتبة “في اليوم التالي طالبهم بتغيير كل شيء حوله، بات أشرس مما مضى، تشبَّث بكل شيء، أخذ يحطم قيوده، يكسر ما حوله من حواجز..”، وتبذل الكاتبة جهدها في الدفاع عنه والتماس الأعذار له فتؤكد أن “رغبته التي استهانوا بها -تغيير ثيابه- جعلته يحطم كل شيء”.
وهذا السياق القصصي لم يأتِ من فراغٍ لدى الكاتبة؛ فهو مشبع بالإسقاطات والدلالات النفسية التي تعبِّر عنها في إطار واقعي عبر هذه القصة التخيِيلية؛ فهي تريد أن تبرهن على قاعدةٍ مفادها أنَّ التغيير لا يحدث إلا بالقوة، لذلك تقول في نهاية هذه القصة على لسان الراوي وهو يتحدث عن مشاجرة في الحي الهادئ “كانوا مثلي يريدون التغيير، لكنهم ضلوا الطريق إلى تحقيق هدفهم، ظنوا أنه سيحدث بلا ثمن، بلا مجهود، حتى ضاع منهم كل شيء”، ويأتي ذلك كله في سياق تأكيد الكاتبة على ضرورة الظهور بـ”الوجه الثاني” الأكثر جرأة وإقدامًا على مواجهة الحياة من أجل تحقيق الهدف.
وتستصحب الكاتبة في سياقاتها الدلالية ضرورة التأهب اللحظي للوجه الثاني، منتقلةً إلى قصة جديدة بعنوان “ليست شيطانيَّة”، وفي هذه القصة نجد وجهين أيضًا، ظهر صاحبهما في صورة القدوة والمثل الأعلى الذي اقتدت به بطلة القصة، ثم عادت لتقول حين اكتشفت الوجه الثاني “صورته عارية أمامي تمامًا، بل رأيته عاريًا في عيون كل من كانوا معه”، وفي سياق التناقض بين الوجهين نجد أن بطلة هذه القصة نفسها تحمل وجهين، “هذا ما حيَّر أبرياءها الذين لم يعرفوا إلا نصفها الجميل؛ هم يتجرعون وتتجرع معهم مرارة النصف الثاني، كلما أطلَّ بقبحه على حياتهم”، وهنا تدافع الكاتبة عن البطلة فتقول على لسانها في سياق عرض موقفها من “وجهها الثاني”، “لا تُعيدوني إليه؛ كلما تذكرت شيئًا من لقطات الأمس؛ كرهتُ كل شيء”، وفي إطار التعاطف المسبق مع البطلة؛ جعلت الكاتبة عنوان هذه القصة “ليست شيطانيَّة” لتكشف عن وجهتها السردية وتحدد موقفها لدى القارئ.
بينما في قصة أخرى بعنوان “لا عقاب”، يتمثل الوجهان لدى الكاتبة في صورة جدَّتين إحداهما طيبة والأخرى خبيثة تتمنى لها الموت، ويدفعها شيطانها إلى احتجاز حفيدتهما التي تقيم مع الجدة الأخرى؛ حتى تعاني القلق عليها، أو لعلها تموت حزنًا، بينما الطفلة الصغيرة تتعجب من صَنِيع جدتها، وكأنَّ ما فعلته هذه الجدة بداية مرحلة جديدة للطفلة، تتعلَّم من خلالها التمييز بين “الوجوه”.
وفي قصة “أمل مُذاب” تبدو الوجوه المختلفة، في صورة اختلاف الأخلاق والمبادئ، وفي هذا الإطار تقول الكاتبة على لسان راوية القصة وبطلتها “فالسبيل لاجتياز المنحنَى هو التسلل فوق درجات القِيَم، ترْكُ حمولتي التي أثقلت خطواتي…”، فهي تتمسك بالقيم والمبادئ، وترى نفسها مختلفة عمن حولها، وتعبِّر عن ذلك بقولها “كلما حاولت الانضمام إليهم؛ ترفض أقدامي السير نحوهم، يشدُّني قلبي بعيدًا… الآن تكشَّفت أمامي الأقنعة، خففتْ من آلامي مسكنات الحقيقة؛ فللحقيقة مذاق فريد”؛ وتلك الحقيقة التي تتمثَّل في “اختلاف الوجوه”، هي التي جعلت بطلة القصة تطمئن إلى سلامة موقفها؛ فكل وجهٍ له طبائعه وأخلاقه التي يتخلَّق بها، وحين يضع الإنسان هذه الحقيقة أمام عينيه؛ فإنَّ ذلك يجعله في حالة من التأهب لِقَبول معطيات الواقع والتعامل مع حتميَّاته التي لا مفرَّ منها، ثم القناعة والرضا بأنه صاحب الوجه “المثالي”.
وفي قصة أخرى بعنوان “عالم سفلي” يتمثل الوجهان في الفتاة “سحر” وخالتها “نرجس” التي تزوجت والد سحر، التي يتجسد فيها “وجه الشر”، فتدبِّر المكائد للتخلص من خالتها “وجه الخير” التي تذكر الكاتبة أنها استطاعت “لمَّ شمل الأسرة التي أوشك عقدها أن ينفرط بعد وفاة أختها الكبرى”، بينما ابنة أختها “كان يجن جنونها كلما حدث أمرٌ حميدٌ لزوجة أبيها”، وكان الحقد يدفع هذه الفتاة إلى الاستعانة بأحد الدجالين لإلحاق الأذى بزوجة أبيها، لكن كانت عناية الله أقوى، حتى “جلست سحر تتذكر كيف أضاعت عمرها في سبيل إلحاق الاذى بخالتها!!”، هكذا يتجسد الصراع بين “الوجه” و”الوجه الثاني”، وهكذا ينتصر الخير على الشر.
وفي قصص هذه المجموعة تحرص الكاتبة، عند الجمع بين “وجهين”، على الدفاع عن الوجه الذي يمثِّل رمز الخير والنقاء، ملتمسة الأعذار ومنقِّبة عن الأسباب التي أدَّت إلى التحول إلى “الوجه الثاني” بوصفِهِ سلاحًا فريدًا في مواجهة الخصومات الغادرة.


