القاهرة – صاحبة الجلالة- في وقتٍ تمتلئ فيه شاشات التلفزيون خلال شهر رمضان بكثير من مشاهد العنف والبلطجة والإثارة المجانية، يظل الحنين حاضرًا إلى زمنٍ كانت فيه الدراما الرمضانية مساحة للمعنى والقيمة، وموسمًا للأعمال الدينية والتاريخية التي تجتمع حولها الأسرة العربية بأكملها. كان التلفزيون المصري آنذاك يؤدي دورًا ثقافيًا وتنويريًا حقيقيًا، يرسّخ الذوق العام ويسهم في بناء الوعي. ومن هنا تبدو الدعوة مفتوحة للبحث عن بدائل فنية جادة تعيد الاعتبار للكلمة الراقية والروح الهادئة التي تليق بهذا الشهر الكريم.
في هذا السياق يقدّم المسرح القومي أمسية غنائية شعرية بعنوان «يا أهل الأمانة»، مستلهمة من أشعار الشاعر الكبير فؤاد حداد، في تجربة فنية تحاول استعادة جماليات الكلمة وروح الفن الصادق. وقد صاغ العرض برؤية إخراجية واعية المخرج الكبير أحمد إسماعيل، الذي نجح في بناء حالة مسرحية متكاملة، من خلال اختيار فريق عمل منسجم، وتوزيع الأدوار بوعي يبرز إمكانات كل فنان، إلى جانب توظيف الفرقة الموسيقية والغنائية بوصفها عنصرًا أصيلًا داخل البناء الدرامي للعرض، لا مجرد خلفية موسيقية مصاحبة.
وعلى خشبة المسرح يلتقي حضور الخبرة والدهاء المسرحي لدى الفنانين مفيد عاشور ويوسف إسماعيل، وكلاهما من أبناء المسرح الذين يمتلكون أدوات الأداء العميق، مع أداء رشيق ومتزن للفنانة رحاب رسمي، التي تؤكد حضورها بثقة ووعي فني واضح.
أما الجانب الغنائي فيحمل العرض إلى آفاق أكثر شاعرية من خلال صوتين يتمتعان بإحساس صادق: المطربة نهى حافظ، والمطرب الموهوب مصطفى سامي، حيث يضيف كل منهما قيمة سمعية حقيقية للنصوص الشعرية، ويمنح الأمسية روحًا فنية متكاملة تنسجم فيها الكلمة مع الموسيقى والأداء.
«يا أهل الأمانة» ليست مجرد سهرة فنية في ليالي رمضان، بل محاولة جادة لاستعادة فكرة الفن الراقي الذي يخاطب العقل والوجدان معًا، ويؤكد أن المسرح ما زال قادرًا على أن يكون ملاذًا للذوق الرفيع ومساحة لاحترام وعي الجمهور.
العرض من إنتاج فرقة المسرح القومي بقيادة الفنان الدكتور أيمن الشيوي، الذي يواصل جهوده للحفاظ على مكانة هذا الصرح العريق بوصفه أحد أهم منابر المسرح المصري.
![]()
![]()
![]()
المسرح القومي يستعيد روح رمضان الجميل ب”يا أهل الأمانة”



