في ساعات فجر اليوم الثالث من يناير 2026، عبرت الولايات المتحدة الأمريكية خط أحمر جديد في سجل علاقاتها الدولية، عندما شنت عملية عسكرية واسعة النطاق ضد فنزويلا، بدأت بانفجارات هزت العاصمة كاراكاس واستهدفت غارات جوية مواقع عسكرية ومدنية حيوية.
لم تكن هذه العملية سوى الفصل الأحدث في سردية طويلة من الهيمنة والبلطجة الدولية تمارسها واشنطن تحت شعارات براقة بينما تنتهك فى الخفاء كل مبادئ القانون الدولي والسيادة الدوليه التى تدعي الدفاع عنها.
فمنذ اللحظة التي أعلن فيها ترامب إعتقال الرئيس مادورو، وسط إنكار السلطات الفنزويلية وطلبها دليل على حياته، برز التناقض الصارخ بين القوة العارية والشرعية الدولية؛ ووسط دوي الإنفجارات، أعلنت الحكومة الفنزويلية حالة الطوارئ ودعت شعوبها للمقاومة، بينما أتجهت على الفور إلى مجلس الأمن لتندد بما سمته العدوان المسلح غير المسبوق.
لكن المواقف الدولية أنقسمت كاشفة المعايير المزدوجة، حيث كانت إدانة روسية قوية مقابل صمت أوروبي مشوب بتكرار الإدعاء بعدم شرعية نظام مادورو، في مشهد يكرس سياسة الكيل بمكيالين.
هذا العدوان العسكري المباشر ليس بمعزل عن إستراتيجية أوسع، فهو يتقاطع مع أداة أخرى فتاكة في ترسانة السياسة الأمريكية هى الحصار الاقتصادي، فما تشهده فنزويلا اليوم من قصف هو الوجه الآخر للخناق المالي الذي تفرضه واشنطن منذ سنوات على دول مثل كوبا وإيران وسوريا، بل وحتى لبنان. فالحصار الإقتصادي، بوصفه وسيلة قسر وإكراه خارج إطار مجلس الأمن والشرعية الدولية، هو شكل من أشكال التسلط والهيمنة المحرمة قانوناً؛ وتزعم الولايات المتحدة أنها تفرض هذه العقوبات للحفاظ على مقتضيات الأمن الدولى أو حماية حقوق الإنسان، بينما الهدف الحقيقى هو إخضاع الدول التي تختار طريق الإستقلال وبناء قدراتها الذاتية بعيداً عن الإملاءات الأمريكية.
هذه السياسة المزدوجة بين العدوان العسكري المباشر والحصار الإقتصادى البطيء تفضح الإدعاءات الأمريكية بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان؛ فكيف يمكن للدولة التي تحاصر شعوباً بأكملها، فتحرمها من الحق في الغذاء والدواء والصحة والتعلم، كما ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهود الدولية، أن تدعي حماية هذه الحقوق؟ الحصار يخنق الإقتصاد ويدمر البنية التحتية ويرهق الشعوب ليفتح الباب لفرض حلول تخدم المصالح الأمريكية تحت وطأة المعاناة.
إنه استعمار جديد بثوب الليبرالية الإقتصادية، حيث تصبح العقوبات الأحادية بديلاً عن الغزو التقليدي، لكن نتائجها الإنسانية تكون مدمرة بالقدر نفسه، إن لم تكن أسوأ.
والقضية الفلسطينية خير شاهد على هذه النفاق، فبينما تفرض واشنطن أقسى العقوبات على دول ترفض هيمنتها، تقف بالمرصاد لأي قرار دولي يدين الإحتلال الإسرائيلي مستخدمة الفيتو سيف لتقطيع أوصال العدالة، وهي نفسها القوة التي تروج لمشاريع التوطين والتهجير القسري، وكأن الشعب الفلسطيني سلعة قابلة للنقل، في تناقض صارخ مع خطابها عن حقوق الإنسان وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، إنه نفس المنطق الذي يدفعها لاحتضان أنظمة فاسدة طالما أنها تنفذ أجندتها، بينما تخنق دول إختارت طريق السيادة والكرامة.
الغزو الأمريكي لفنزويلا بهذا المعنى، هو أكثر من مجرد عملية عسكرية. إنه اختبار لإرادة إمبراطورية تبحث عن تأمين أكبر احتياطي نفطي في العالم، في لحظة تاريخية تحتاج فيها واشنطن إلى موارد طاقة بعيداً عن تقلبات الشرق الأوسط وصراعاته.
خطاب زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، الذي عرضت فيه خصخصة ثروات البلاد للشركات الأمريكية، يكشف الوجه الحقيقي للصراع هى معركة على الثروات تحت غطاء تحريري.
لكن التاريخ يعلمنا أن الشعوب الأبية لا تستسلم، والمقاومة التي أعلن عنها وزير الدفاع الفنزويلي ودعوة الميليشيات الشعبية، قد تحول البلاد إلى فيتنام جديدة، حيث تتعثر آلة الحرب الأمريكية في مستنقع من المقاومة الشعبية المستعصية.
السؤال الأهم الآن ليس فقط مصير فنزويلا أو مادورو، بل مصير النظام الدولي بأسره.
ففي عالم يُفترض أن تحكمه موازين العدل والقانون، تتحول البلطجة إلى دبلوماسية، والاستنزاف الإقتصادي إلى إستراتيجية، والسادية الآنية إلى سياسة مقبولة، لكن بذور المقاومة تنمو، فالشعوب التي إستنزفتها واشنطن بدأت تبحث عن تحالفات جديدة، وعن فضاءات للتحرر من النفوذ الأحادي.
القضية الفلسطينية تذكرنا يومياً أن الحق لا يموت، والأرض لا تسلب إلى الأبد.
والعدوان على فنزويلا يذكرنا أن الهيمنة، مهما بلغت قوتها، ليست أبدية، فإما أن تعود واشنطن إلى رشدها وتلتزم بإطار القانون الدولي الحقيقي، بعيداً عن سياسة القوة والإبتزاز، أو سيتحول العالم بأكمله بما فيه ضمير الشعب الأمريكي نفسه إلى ساحة مقاومة ضد بلطجتها، لأن الظلم مهما طال عمره وتنوعت أشكاله، من حصار اقتصادي يجوع الأطفال إلى غزو عسكري يزهق الأرواح، هو بناء من رمال لا يصمد أمام مد إرادة الشعوب التواقة للحرية والكرامة.
ليلة سقوط فنزويلا..بقلم اللواء دكتور أحمد عبد البر


